ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
285
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
أحبب ما أحببت فإنك مفارقه ، وأما الجهل فهو أن الإنسان قد يعول على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشرة رجال وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ولا يدرى أن ذلك غير بعيد وإن كان ذلك بعيدا فالمرض فجأة غير بعيد وكل مرض فإنه يقع فجأة فإذا مرض لم يكن الموت بعيدا ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيبة وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وربيع ومن ليل ونهار لعظم استشعاره واشتغل بالاستعداد له ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعياه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن وقوع الموت القريب فهو أبدا يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله به ووقوعه فيه ولهذا أبدا يظن أنه يشيع الجنائز ولا يقدر أن يشيع جنازته لأن هذا قد تكرر عليه وألفه فهو يشاهد موت غيره وأما موت نفسه فإنه لم يألفه ولا يتصور أن يألفه فإنه لا يقع وإذا وقع لم يقع دفعة أخرى بعده فهو الأول وهو الآخر وسبيله أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لا بد أن تحمل جنازته ويدفن في قبره ولعل اللبن الذي يغطى به لحده قد ضرب وفرغ منه وهو لا يدرى فتسويفه جهل محض . فإذا عرفت أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه أما الجهل فإنه يدفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر وبسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة وأما حب الدنيا فعلاجه في إخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظم العقاب وجزيل الثواب ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا فإن حب الخطير هو الذي يمحو حب الحقير وإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها وإن أعطي ملك الدنيا من المشرق إلى المغرب فكيف وليس لكل عبد من الدنيا إلا قدر يسير مكدر منغص فكيف يفرح بها أو يترشح في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة فنسأل الله تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده .